
رياض العادلي: الأسواق المتخصصة قد تجد فرصًا أكبر في المحافظات.. ووليد فاروق: بيع الوحدات لا يضمن جذب التجار والمستهلكين
تتسابق شركات التطوير العقاري على إنشاء مولات ومراكز تجارية متخصصة في الذهب والمجوهرات داخل المدن الجديدة، في توجه يجمع بين الاستثمار العقاري وسوق الذهب التي تعززت أهميتها لدى المصريين خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الإقبال على المعدن الأصفر باعتباره وسيلة للادخار والتحوط من تقلبات العملة.
لكن التوسع في هذه المشروعات يفتح تساؤلات بشأن قدرتها على التحول إلى أسواق تجارية نشطة، في ظل اختلاف طبيعة تجارة الذهب عن الأنشطة التجارية التقليدية، وارتباط نجاحها بتوافر التجار والعلامات التجارية والعملاء، إلى جانب منظومة تشغيل وأمن تتناسب مع طبيعة النشاط.
وقال الدكتور رياض العادلي، رئيس مجلس إدارة شركة «نكست دور» للتسويق العقاري، إن بعض دوافع إطلاق مولات الذهب في المدن الجديدة ترتبط بالأهداف الترويجية والتسويقية للمطورين، وليس بالضرورة بدراسة دقيقة لاحتياجات السوق الفعلية.
وأوضح أن الذهب أصبح سلعة استثمارية جاذبة لشريحة من المصريين، في ظل المتغيرات الاقتصادية وتراجع قيمة العملة، وهو ما جعل الجمع بين الذهب والعقار عامل جذب للعملاء، مشيرًا إلى أن شراء الوحدات لا يقتصر على أصحاب محلات الذهب، بل يمتد إلى مستثمرين يستهدفون تأجيرها للتجار لاحقًا.
وأضاف أن تقييم هذه المشروعات يظل مرتبطًا بنتائج التشغيل الفعلي، لأن بيع الوحدات العقارية يختلف عن بناء سوق متخصصة قادرة على استقطاب التجار والمستهلكين وتحقيق حركة تجارية منتظمة.
واعتبر العادلي أن مولات الذهب تمثل خطوة نحو تطوير الأسواق المتخصصة، على غرار التجارب التي شهدتها قطاعات السيراميك والأثاث، إلا أن نجاحها يتطلب تخطيطًا متكاملًا يجمع بين كفاءة البيع العقاري والإدارة التشغيلية، خصوصًا في ظل المنافسة مع مناطق تجارية راسخة وأسماء معروفة في تجارة الذهب.
وأشار إلى أن بعض المحافظات قد توفر فرصًا أكبر لإقامة هذه الأسواق مقارنة بالقاهرة، التي تضم بالفعل مناطق تجارية مستقرة، موضحًا أن إنشاء مول في مدينة مثل المنيا قد يخدم سكانها والمراكز المحيطة بها، بشرط اختيار الموقع المناسب وتحديد حجم المشروع وفقًا للطلب المتوقع، مع إمكانية التوسع تدريجيًا.
وحذر من المبالغة في الوعود الاستثمارية المرتبطة بالذهب، مؤكدًا أهمية التمييز بين الاحتفاظ بالمعدن الأصفر للتحوط من تقلبات العملة، وبين توقع تحقيق أرباح كبيرة وسريعة من الاستثمار فيه.
التشغيل يحدد مصير المشروعات
من جانبه، قال الدكتور وليد فاروق، إن التوسع في إنشاء مولات متخصصة للذهب والمجوهرات يستحق المتابعة، لكن نجاح هذه المشروعات يرتبط بقدرتها على الانتقال من مرحلة بيع الوحدات إلى التشغيل التجاري الفعلي وبناء أسواق مستدامة.
وأضاف أن مؤشرات النجاح تشمل جذب عدد كافٍ من التجار والعلامات التجارية، وتحقيق معدلات إشغال مرتفعة ومستدامة، وتوفير معروض متنوع، إلى جانب سهولة الوصول إلى المول ووجود إدارة احترافية تراعي متطلبات الأمن وحماية المستهلك.
وشدد على أن الموقع المتميز والتصميم المعماري الحديث لا يكفيان وحدهما لضمان النجاح، إذ يتطلب الأمر توفير بيئة تجارية متكاملة تشجع التجار على العمل داخل المول، وتجذب المستهلكين بصورة منتظمة.
ولفت إلى ضرورة الفصل بين الاستثمار في الوحدة العقارية والاستثمار في الذهب نفسه؛ فالعائد على الوحدة يتحدد وفقًا للموقع والطلب على المساحات التجارية ومعدلات الإشغال وتكاليف التشغيل، بينما تتأثر أسعار الذهب بعوامل اقتصادية وسوقية مختلفة، وهو ما يعني أن شراء وحدة داخل مول متخصص لا يضمن عائدًا استثماريًا محددًا.
السبائك تتقدم والمشغولات تتراجع
يتزامن التوسع في المشروعات المتخصصة مع تغيرات في أنماط الطلب على الذهب بالسوق المصرية، مع تزايد أهمية السبائك والعملات الذهبية لأغراض الادخار والاستثمار، بالتوازي مع تراجع الطلب على المشغولات من حيث الوزن.
ووفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي عن الربع الثاني من 2026، تراجع الطلب على المشغولات الذهبية في مصر إلى نحو 4.9 طن، مقابل 5.7 طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض يقارب 14%.
في المقابل، ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية إلى نحو 6.2 طن، مقابل 5.9 طن في الربع الثاني من 2025، بزيادة تقارب 6%.
وبلغ إجمالي الطلب الاستهلاكي على الذهب في مصر خلال النصف الأول من 2026 نحو 22 طنًا، منها 11.9 طن من السبائك والعملات الذهبية، مقابل 10.1 طن من المشغولات.
وتعكس هذه الأرقام أهمية الطلب الاستثماري في سوق الذهب المصرية، لكنها لا تثبت وحدها أن تغير أنماط الشراء كان سببًا مباشرًا في إطلاق المولات الجديدة، إذ يظل قرار إنشاء هذه المشروعات مرتبطًا أيضًا بدراسات الجدوى والمواقع المستهدفة وتوقعات الطلب التجاري.
أربعة مشروعات تتنافس على سوق الذهب
تشمل المشروعات المعلنة أو التي يجري تسويقها باعتبارها مراكز متخصصة في الذهب والمجوهرات أربعة نماذج بارزة تتوزع بين العاصمة الإدارية الجديدة والقاهرة الجديدة والشيخ زايد ومدينة العبور.
ويأتي مشروع «سوق الذهب» بالعاصمة الإدارية الجديدة، التابع لمجموعة «آي سي جروب»، ضمن المشروعات التي أُعلن عنها منذ عام 2019، على مساحة تبلغ نحو 8300 متر مربع، ويتكون من ثمانية طوابق تضم أنشطة تجارية وإدارية.
وتسوّق شركة البطل للتطوير العقاري مشروع «روك جولد» في منطقة جولدن سكوير بالقاهرة الجديدة، باعتباره مركزًا متخصصًا في الذهب والمجوهرات يستهدف خدمة التجمعات السكنية المحيطة. وتشير المواد التسويقية للشركة إلى استهداف مناطق يبلغ عدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة، مع توفير أنظمة أمن وحراسة تتناسب مع طبيعة النشاط.
وفي الشيخ زايد، تسوّق «إمباكت جروب» مشروع «سيليستيا مول»، من تطوير شركة «إيديك»، باعتباره مشروعًا متعدد الاستخدامات يتضمن أنشطة للذهب والمجوهرات، بمساحة معلنة تبلغ نحو 4200 متر مربع.
أما مشروع «سوق الذهب» بمدينة العبور، فيستهدف إقامة تجمع تجاري وصناعي يربط بين حلقات متعددة من سلسلة تجارة الذهب، بدءًا من المصنعين والورش، وصولًا إلى تجار الجملة ونصف الجملة والتجزئة. ويقام المشروع على مساحة تبلغ نحو 7500 متر مربع، بإجمالي مساحة بنائية معلنة تصل إلى 31 ألف متر مربع، بما يجعله مختلفًا عن المراكز التي تركز بصورة أساسية على البيع للمستهلك النهائي.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد البيع
تكشف المشروعات المعلنة عن تنوع في نماذج مولات الذهب، بين مراكز تركز على بيع المشغولات والمجوهرات، وأخرى تستهدف الجمع بين التصنيع والتجارة وتوزيع المنتجات. غير أن هذا التنوع لا يحسم وحده فرص النجاح، التي ستتوقف على قدرة كل مشروع على تلبية احتياجات السوق المستهدفة.
ويظل عدد المحلات العاملة، ومعدلات الإشغال، وحجم حركة العملاء، وقدرة الإدارة على جذب التجار والعلامات التجارية، وتوفير خدمات الأمن وسهولة الوصول، من أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس الأداء الفعلي لهذه المشروعات.
وبذلك، لن يتحدد مستقبل مولات الذهب في مصر بعدد المشروعات التي أُعلن عنها أو الوحدات التي جرى بيعها، بل بقدرتها على بناء أسواق نشطة ومستدامة، وتحقيق قيمة اقتصادية تتجاوز بيع العقارات إلى تطوير تجارة الذهب والمجوهرات نفسها.
يقدّم تمويل | Tamwiel تغطية اقتصادية شاملة ومحدثة على مدار الساعة، تشمل أحدث اخبار وتحليلات اقتصاد محلي وعالمي. نتابع تطورات بنوك وتأمين وحركة بورصة و اسواق المال، مع تقارير متخصصة حول بترول وطاقة وتأثيرها في الاقتصاد. كما نغطي مستجدات تعليم و تكنولوجيا و رياضة من منظور اقتصادي، إلى جانب متابعة دقيقة لقطاعات زراعة، سياحة وطيران، سيارات، صناعة، و عقارات. لمحبي التفاعل البصري، نقدم محتوى مميزًا في فيديوهات و إنفوجراف، بالإضافة إلى مقالات خفيفة في منوعات. تابع تمويل لتبقى على اطلاع دائم بأحدث أخبار المال والأعمال.








